أخبار الأسبوعأدب

ساعة الصفر – حرب السادس من اكتوبر معجزة مصر

ساعة الصفر – حرب السادس من اكتوبر معجزة مصر

 

مقالات ذات صلة

بقلم مراسل الاسبوع العربي : علي جمال عيسي من جبهة العبور

 

على ضفاف قناة السويس حيث كانت الرمال صامتة منذ سنوات دوت الساعة الثانية ظهر السادس من اكتوبر 1973 لتعلن ميلاد زمن جديد كنت هناك أرقب المشهد بعين الصحافة فإذا بي أجد نفسي شاهدا على معجزة حية لا يقدر الخيال على رسمها

 

انطلقت المدافع المصرية دفعة واحدة كأنها دقات قلب وطن يستيقظ من سبات طويل تصاعدت أعمدة اللهب والدخان وفي لحظة واحدة تحول الأفق إلى سيمفونية من نار وإرادة خلف هذا الغبار المشتعل كان آلاف الجنود المصريين يتدفقون نحو القناة لا يرهبون رصاصا ولا يهابون موتا

 

شاهدت قوارب العبور وهي تمخر الماء كأجنحة بيضاء وسط الجحيم رجال في مقتبل العمر يلوحون بأذرعهم للرفاق وعيونهم مشدودة نحو الضفة الشرقية حيث يقف خط بارليف ذاك الحائط الذي وصفه العدو يوما بأنه لا يقهر لكن المصريين كانوا يمحون أسطورة لا يقهر في دقائق بالماء والنار والإيمان

 

رأيت جنديا يقفز من القارب إلى الشاطئ يرفع بندقيته ويصرخ باسم مصر قبل أن تغطيه شظية غادرة لم يسقط صوته بل تردد في الحناجر من بعده الله أكبر الله أكبر كان المشهد أقرب إلى ملحمة سماوية تتداخل فيها البطولة مع القداسة

 

في السماء الطائرات المصرية تعانق الريح كنسور حمراء تقصف مواقع العدو بدقة خاطفة وعلى الأرض الدبابات المصرية تتقدم بثبات تدوس أسطورة القوة الإسرائيلية تحت جنازيرها كل دقيقة كانت كفيلة بأن تغير موازين التاريخ وكل طلقة كانت توقيعا جديدا على عقد الحرية

 

لم تكن المعركة مجرد خطة عسكرية محكمة بل كانت تجسيدا لروح أمة كاملة جنود يعانقون الشهادة بابتسامة قادة يرسمون المعركة بدماء الأعصاب شعب في الخلف يمد الجبهة بالدعاء والعزيمة لم يكن هناك فرق بين من على الضفة ومن خلفها الكل كان مقاتلا بطريقته

 

وحين ارتفع العلم المصري على الضفة الشرقية شعرت أن الأرض كلها اهتزت من الفرح كان علام صغيرا لكنه بدا كأنه يغطي السماء كلها في تلك اللحظة أيقنت أن التاريخ يكتب بمداد مختلف مداد لا يعرفه سوى المصريين مداد الكرامة

 

اليوم وأنا أكتب هذه السطور وسط أزيز الرصاص ورائحة البارود أدرك أنني لست مجرد مراسل صحفي أنا شاهد على أعظم شهادة ورسام لكلمات تحاول اللحاق ببطولة تعجز عنها اللغة

إن السادس من اكتوبر لم يكن حربا فقط بل كان يقظة أمة واستعادة روح وإعلانا صريحا أن مصر إذا أرادت فإنها تكتب المعجزات

لم يكن السادس من أكتوبر يومًا عابرًا في دفتر الأيام بل كان زلزالًا عسكريًا قلب وجه التاريخ كنتُ هناك على حافة القناة أرى بعيني ما يعجز اللسان عن وصفه رجالٌ من لحم ودم يعبرون حدود المستحيل وكأنهم كتائب من نور.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى